السيد كمال الحيدري

162

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

ولكن هذا التمثيل الطولي بالأُسلوب القصصي لا يستلزم واقعية جمع القصص القرآنية ، بعبارة أُخرى : ليست جميع القصص القرآنية قد أُريد بها الحكاية عن حقيقة وواقعية لها عالمها الخاصّ بها ؛ فتنزلّت لنا بهذا النمط من الأمثال الطولية ، وإنما نُريد القول بأن هنالك جملة من الحقائق والواقعيات مُثِّلت لنا بأُسلوب القصّة ، فمثلُ هذه القصص تنمّ عن حقائق وواقعيات خاصّة بها . قال الطباطبائي : ( إنَّ الله تكلَّم مع الناس في دعوتهم وإرشادهم بلسان أنفسهم ؛ وجرى في مخاطباته إيّاهم وبياناته لهم مجرى العقول الاجتماعية ، وتمسّك بالأصول والقوانين الدائرة في عالم العبودية والمولوية ، فعدّ نفسه مولى والناس عبيداً والأنبياء رسلًا إليهم ، وواصلهم بالأمر والنهي والبعث والزجر ، والتبشير والإنذار ، والوعد والوعيد ، وسائر ما يلحق بهذا الطريق من عذاب ومغفرة وغير ذلك . وهذه طريقة القرآن الكريم في تكليمه للناس ، فهو يصرّح أنَّ الأمر أعظم ممَّا يتوهّمه الناس أو يخيّل إليهم « 1 » ، غير أنه شيء لا تَسَعُه حواصلهم ، وحقائق لا تحيط بها أفهامهم ، ولذلك نُزّل منزلة قريبة من أفق إدراكهم لينالوا ما شاء الله أن ينالوه من تأويل هذا الكتاب العزيز ، كما قال تعالى : ( حم * وَالْكِتَابِ المُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) ( الزخرف : 1 - 4 ) ، فالقرآن الكريم يعتمد في خصوصيات ما نبّأ به من أحكام الجزاء وما يرتبط بها . . . « 2 » ، فجعل ألفاظه عربية لكي تفهم الأمّة ، ولكنه شيء آخر وحقيقة أُخرى .

--> ( 1 ) وقريب من ذلك سؤال الطفل أباه : ما هو الله ؟ فبماذا يُجيبه غير أن يقول له : إنه هو الذي يُعطينا الغذاء والماء والهواء ، ولكن هذا عطاؤه وليس هو ، فهو الحقيقة التي لا تُدركها العقول ، فالأب كان مُضطراً للتمثيل بذلك حتى يُفهم ولده بقدر سعته ، والكلام هو الكلام فيما بين الله - وهو المولى - وبين البشر ، وهم عبيده . ( منه دام ظله ) . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 175 . .